مفاوضات في واشنطن، تذكرنا بتلك المفاوضات التي اصطلح على تسميتها في حينه كامب ديفيد (2) حيث إشتبك الشهيد الراحل ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية وجهاً لوجه مع باراك والحكومة الإسرائيلية في البيت الأبيض بواشنطن، وكان حينها ما كان من ضغوط كبيرة لإرضاخ الشهيد الراحل ياسر عرفات الذي تمسك وكان الصخرة التي تكسرت عليها كل الضغوط والإملاءات وظل صامداً جبلاً لا تهزه الرياح العاتية، ومن منّا ينسى تلك الكلمات التي خاطب بها الرئيس الأمريكي حينها "بل كلينتون" صارخاً لن أتنازل عن حبه تراب من ترابك يا قدس ومن منا يفرط بهذا التراب المقدس وخرج من الإجتماع وقلب الطاولة على رؤوس الحاضرين في ذلك البيت الذي تهتز له عروش الملوك والزعماء العرب وغير العرب ويرتعشوا منه بضعفهم وجبنهم، بينما ياسر عرفات يضرب بحذاءه الطاولة ويقلب كل الموازين العالمية والدولية والعربية أو تلك التي راهنت في حينه على أن ياسر عرفات لن يصمد وهو ذاهب للتوقيع وذاهب للتنازل وذاهب للتفريط وكثيرة هي الأصوات التي تعالت في حينها بينما كان ياسر عرفات يخوض أكبر المعارك وأشرس المعارك وعاد متمسكاً متشبثاً وأستشهد فداءً لقدسية التراب الفلسطيني، وقد شكل في صموده أعظم حالة صمود عرفها التاريخ فلم يعرف من قبل هذا التاريخ أن مكتب صغير وبضع اكياس من الرمل يمكن أن يصمد في وجه أعتى قوة في العالم وثالث أقوى ترسانه حربية، هذا المكتب الذي دكته طائرات ال أف 16 ومدافع الدبابات والرشاشات التي اخترقت جدرانه وطرزت كل زاوية فيه، وظل ياسر عرفات يخوض معركته التي قرر فيها أن يقضي شهيداً من شهداء القدس التي أحبها وأحبته فكان له ذلك بعد أن صمد صمود الرجال الرجال وقاتل حتى الرمق الأخير.
الرئيس محمود عباس وحيث أن الزمان يعيد نفسه، فحجم الضغوط الأمريكية والدولية والعربية تتشابه الى حد كبير، والأصوات المشككه والمخونة تستخدم نفس لهجتها الأولى وتعلوا حناجرها كما كانت تفعل وتحاول أن تنال من شعبية الرئيس بدلاً من أن تسانده في حالة الإشتباك السياسي الذي يخوضه في ظل المتغيرات التي تشهدها الساحة الإقليمية، وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن هل هذه الجماهير العظيمية بهذه السذاجه التي يراها المشككون من أولئك الذين لا يكفّون ولا يملون عن محاولاتهم، لا ليس كذلك لأن الكثير من هذه الجماهير يؤمن بالقيادة الفلسطينية التي جربها طويلاً وفي مراحل عديدة وقد أثبتت جدراتها بحمل الأمانه والدفاع عنها وكانت الأجدر دون مزايدة من أحد على الحفاظ على الثوابت الفلسطينية والحقوق التي أتفق عليها وطنياً وأقرتها لنا هيئات الامم الدولية، فلماذا إذن كل هذه الأتهامات التي يلقونها بين الفينة والأخرى ولماذا عادت الألسن التي حاولت النهش في الرئيس الراحل ياسر عرفات عادت لتنهش في الرئيس محمود عباس مرة أخرى بنفس اللون ونفس الأسلوب.
الرئيس في خطر وقد يقدم هذا اليميني المتطرف نتنياهو على فعل أحمق خاصة إذا ما شعر أنه في مأزق حقيقي و أراد إفشال المفاوضات للتخفيف من الضغوط حيث يعرف قدرة هذه القيادة على الزج به في الزاوية وتعريته أمام المجتمع الدولي الذي يترقب ما سوف تسفر عنه هذه المفاوضات التي بدأت رحاها تدور قبل أيام، هذا الأمر غير مستبعد بل هو إحدى الخيارات العنصرية المطروحة على طاولت المجلس المصغير في إسرائيل والذي تضعه الحكومة الإسرائيلية كخيار في حال عجزت عن التأثير في مواقف القيادة الفلسطينية التي لن تستطيع التأثير بها ونقولها بتيقن لأنها قيادة تم تجربتها بالسابق و لأنها قيادة تؤمن إيمان مطلق بأنها قدمت أقصى ما يمكن أن يقدم خدمة لمشروع السلام في المنطقة ولن تتنازل عن حدود الرابع من حزيران والقدس عاصمة لدولتنا المستقلة وطرد المستوطنين الى غير رجعه من على ترابنا الوطني.
خطوة قد تقدم عليها حكومة نتنياهو لخلط الأوراق من جديد في المنطقة ولأفساح المجال أمام مشروعها الإستيطاني التوسعي القائم على إبتلاع ومصادرة الأرض لصالح الإستيطان والجدار وشق الطرق الرابطة بين المستوطنات وعمليات التهويد وذلك من أجل فرض سياسة الأمر الواقع وحتى تصبح فكرة قيام الدولة الفلسطينية مستحيله ويفرضوا الحل الذي يتمنوه وقد رفعوا شعاره ذات يوم وتساوق معهم البعض فيه وهو القائم على فكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة، دولة الكنتونات والأوصال المقطعه بلا سيادة أو استقلال.
وفي هذا الإطار وحتى نجتاز المنعطف الخطر الذي تمر فيه قضيتنا الوطنية بفعل ما يحاك ضدها وما يراد لها من دول الشر التي تجتمع ضد فكرة قيام دولة مستقله وعاصمتها القدس، والتي أيضاً ترى في السيد الرئيس محمود عباس خطراً عليها وعلى مشروعها لأنه قادر على كشف وجهها المزيف وإزاحة الستار عن حقيقة مشاريعها وعنصريتها بشكل لا يقدر عليه أحد خصوصاً في هذه المرحلة الحساسة والصعبة كما وأن السيد الرئيس له مصداقية عالية لدى كافة الدول وكل الشعوب، لهذا علينا أن لا ننجر وراء ما يريده نتنياهو وأعوانه لنا بصورة أو بأخرى أن يوقعونا به، بل يجب علينا أن نكون حذرين ونتخذ التدابير التي تمنع عمليه الإنزلاق في الدهاليز التي يريدنا نتنياهو أن نغرق بها، كما ويجب أن نسعى بكل جهد لعودة الوحدة الوطنية وإنهاء حالة الإنقسام الحاصل للوقوف مع السيد الرئيس في حالة الإشتباك السياسي الحاصل ما دمنا متفقين على الثوابت والحق الذي نريد فلماذا إذن يبقى هذا الخلاف على الشكليات بهذا الحجم ولماذا لا يتم تشكيل وفد مفاوض من كل القوى الفلسطينية مما يجعل الموقف الفلسطيني أكثر قوة ويعيد للمواقف الفلسطينية الثقل الذي يليق بها، حتى نجتاز هذا المنعطف دون خسائر وكي نتحد خلف قرار واحد هو القرار الفلسطيني المستقل وأن لا نبقى مختلفون في كل شيء، مختلفون في المقاومة وشكلها ووسائلها ومختلفون على الدولة ذات السيادة وذات الحدود المؤقته ومختلفون على لون العلم والنشيد الوطني ومختلفون على التفاوض المباشر والغير مباشر ويبدوا في النهاية أننا متفقون على شيء واحد هو إبقاء حالة الانقسام.
إن العقلية الإسرائيلية خاصة في أحزاب اليمين واليمين المتطرف مبنية بالأساس على أنها لا تريد السلام ولا تود لأي مشروع يفضي الى قيام الدولة المستقله أن ينجح وهي في حالة حرب دائمة وشامله وضد كل ما هو فلسطيني ولا يقتصر عدائها على ذلك فحسب بل هي تعادي التاريخ وترفض الإعتراف به على حقيقته وتحاول تزويرة بأستمرار وزرع البدع والأكاذيب لتغير الوجه الفلسطيني لهذه الأرض وتغييب التاريخ الحقيقي فيها.
ومع ذلك وفي ظل ما تتعرض له القيادة الفلسطينية من ضغوط ومؤامرات، وفي ظل ما يحاك ضد التأثير في الرأي العام الفلسطيني من خلال بث الدسائس الصادرة عن حكومة الإحتلال التي تهدف من خلالها الى إضعاف شعبية القيادة الفلسطينية وبالتالي إضعاف مواقفها والنيل منها، لهذا نجد من الضروري التنبه جيداً ووضع الخلافات الداخلية جانباً ما دامت شكلية وليست جوهرية كون هذه المفاوضات تأتي وفق قرارت الشرعيه الدولية وقرارات مجلس الأمن المتفق والموافق عليها من قبل الفصائل الفلسطينية مجتمعه منذ زمن بعيد وحتى لا نجعل للاحتلال وأدواته فسحة بيننا فلا بد من إنهاء حالة الرفض طالما هي بلا معنى والدخول في الأشتباك السياسي خلف السيد الرئيس لخلق موقف وطني فلسطيني موحد وغير قابل للانقسام، حينها سنقول للعالم هذه قرارتكم التي منحوتنا إياها ونحن كلنا نطالبكم بتطبيقها على الأرض طالما هي إرادتكم التي قبلنا بها.
* كاتب فلسطيني. - rahalbaha@yahoo.com