لو كان للحزن أعياد, لكنا أكثر شعوب الأرض احتفالاً بأيام الأسى والشجن, ولوضعنا فوق رؤوس المراحل الكئيبة تيجان الصبر والمكابرة, ثم واصلنا التعريف بشخصيات المكابدات الاعتبارية والاعتيادية ونحن ننظر في مرايا الجمر على أحوالنا, فينعكس الشيء في ضده, فنواصل التصفيق لمواجعنا, كأنما الفرح قطارات سريعة تمشي على سكك وقضبان العذاب والألم.. وتقف في محطات تكرار التجارب الواثقة من سيل همومها الفلسطينية والعربية.
لكنها المناسبة والواجب الانفعالي, ونحن نلج عتبات الذات التي تصر على رؤية جدول الابتسامات الصديقة يتدفق من أرض المقاومة, ونرى إلى النسور الآتية بمستقبل سيادي, وزهور طليقة, ووطن محرر , بلا خونة, بلا جهات ومراجع "اسخريوطية" ومن دون سلالات التفريط لمراكز المفاوضات الرملية.. لكن البيادق تتقافز من رقعة التطبيع إلى رقعة التلقيم والتلقين والتطويع.. فتتسلح بعار الموقف العاري, ولا مناسبة لديها أهم وأغلى من ليلة القبض على أبطال المقاومة في الخليل ورام الله.., ثم المشاركة في مهرجانات و لقاءات التسليم النهائي والإغراء الانحداري, تقام على شرف تمزيق شرف النضال وتلاوة رغبات الزبد المفاوض على ما تبقى من حطام التنازلات.
وتمر ذاكرات محمولة في الذاكرة البدء.. الذاكرة البحر..النهر..القرية, البستان, المدن السليبة, الخيول المصلوبة, المواقيت والآمال والتطلعات المحاصرة والسجينة, الذاكرة النكبات المكررة, الذاكرة المآثر البطولية, سجلات البهاء الفدائي.. ويبصر صقر فلسطيني, يرفض النسيان, والتنازل عن حق العودة, قمته على ضهره, فيطير صوب البدايات النورانية, يتجه صوب الثوابت الوطنية, كما نادى بها الدم الفلسطيني, كما تناولها الشهيد ناجي العلي في رسومه, الثوابت الثوابت يا أهل الجبل.. يا أهل الشتات, يا ربيع الوطن, يا خريف النزف, يا صبر الأسرى, يا رايات الشهداء المرفوعة رغم القهر وزمن القهر.. رغم ذئاب الخرائط المعادية, باقية عالية ترفرف في فضاءات الفداء والكفاح المستمر حتى تحقيق كامل أهداف شعبنا الفلسطيني في الحرية والعودة والاستقلال..
كبرنا على أصوات الجباه الواعية بحقها, الملتصقة بأخلاقيات الجرح الملتزم..كبرت أصواتنا ونحن نردد مع المقاومين, مع أبناء وبنات شعبنا, في معسكرات النضال, في كل المهاجر, في الوطن.."عيدنا يوم عودتنا"
وسنظل نقول الشيء نفسه, نضحي لنفس الهدف.. خضراء تظل مقولات الوعد الصحيح.. عيدنا يوم أن تنتهي جميع مسلسلات العذاب الفلسطيني.. يوم يدحر شعبنا قوى الاحتلال والاستعمار والاغتصاب والشطب والتهجين والتذويب.. يوم أن لا تتحكم برقابنا مجموعة لصوص ثورات وثروات.. يوم أن تنكشف كل ألاعيب ومكائد "البزنس الثوري" ساعة يتوقف عن الهذر والمخاتلة أمراء الابتزاز العاطفي المدروس, جيد النتائج الوصولية في وقت الهزائم والأزمات..
وعيدنا أيضا, يوم وحدتنا.. يوم أن تأخذ الخطى الشجاعة, العاقلة طريقها إلى البناء والتعمير.. وتضع نهاية لخراب التقسيم والتجزئة والتشطير..
عيد سعيد.. نتمناه لشعبنا.. لأمتنا.. للصابرين والصابرات, للبواسل والباسلات.. ومهما كانت الحال التي يعود بها العيد علينا "كما في قصيدة المتنبي الشهيرة عن العيد وحاله" لا بد من فرح.. من مسرات, من أجل أطفالنا.. أجيالنا.. فيتعلمون ويعلمون أن الحزن الفلسطيني يشبه الفرح في كثير من الوجوه والتعابير.
* كاتب وشاعر فلسطيني يقيم في الدانمارك. - sleimannazzal@yahoo.dk